ترصد الكاتبة شابنام فون هاين ملامح المشهد الإيراني بعد مرور مئة يوم على اندلاع الحرب، مشيرة إلى أن مؤسسات الدولة ما تزال متماسكة ظاهرياً رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تواجهها البلاد. وتوضح أن النظام الإيراني نجح في احتواء صدمات المرحلة الأولى من الحرب، لكنه يواجه تحديات متراكمة قد تهدد استقراره على المدى البعيد.
وتشير دويتشه فيله إلى أن الحرب التي اندلعت أواخر فبراير أدت إلى مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين والسياسيين، قبل أن يختار مجلس الخبراء مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للبلاد. كما شهدت المرحلة نفسها ضربات متبادلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب استمرار التوتر حول مضيق هرمز الذي يشكل شرياناً أساسياً لتجارة الطاقة العالمية.
تماسك سياسي يخفي أزمات متجذرة
يرى خبراء أن الحرب ساهمت في تقليص الخلافات داخل النخبة الحاكمة ودفعت العديد من القوى السياسية إلى الاصطفاف خلف القيادة الجديدة. كما عززت المخاوف الأمنية شعوراً مؤقتاً بالوحدة الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية.
لكن هذا التماسك لا يلغي المشكلات البنيوية التي تعانيها الدولة. فالأزمات المرتبطة بالشرعية السياسية والكفاءة الاقتصادية وتوزيع الموارد ما تزال قائمة. ويحذر مراقبون من أن عودة الاهتمام الشعبي إلى القضايا المعيشية بعد تراجع المخاوف الأمنية قد تعيد هذه التحديات إلى الواجهة بصورة أكثر حدة.
وفي الوقت نفسه، تنظم السلطات فعاليات وتجمعات شعبية متكررة لإظهار الدعم للنظام، بينما يرى بعض النشطاء أن هذه التحركات تهدف إلى تأكيد سيطرة الدولة على المجال العام بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد مطلع العام.
ضغوط اقتصادية متصاعدة وتراجع القدرة المعيشية
ألحقت الحرب أضراراً واسعة بعدد من المنشآت الصناعية والاستراتيجية، ما أدى إلى تعطيل الإنتاج في قطاعات حيوية وخلق تأثيرات اقتصادية متسلسلة على الشركات المرتبطة بها. ونتيجة لذلك فقد آلاف العمال وظائفهم، بينما يواجه آخرون مخاوف متزايدة بشأن مستقبلهم المهني.
كما ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات مرتفعة تجاوزت خمسين في المئة، الأمر الذي أضعف القدرة الشرائية للمواطنين بشكل كبير. وأصبحت تكاليف المعيشة تمثل عبئاً متزايداً على الأسر الإيرانية، خاصة في ظل محدودية الأجور مقارنة بالأسعار المتصاعدة.
ويؤكد مراقبون أن استمرار الضغوط الاقتصادية يشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه القيادة الإيرانية الجديدة، لأن الاستقرار السياسي غالباً ما يرتبط بقدرة الدولة على تحسين الأوضاع المعيشية وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية.
تصاعد القمع واتساع المخاوف الحقوقية
تتحدث منظمات حقوقية عن حملة أمنية واسعة رافقت فترة الحرب وما بعدها. وتقول هذه المنظمات إن السلطات اعتقلت آلاف الأشخاص من بينهم صحفيون ومحامون ونشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان وأفراد من الأقليات العرقية والدينية.
كما صدرت أحكام بالسجن لفترات طويلة بحق عدد من المعتقلين، بالتزامن مع تنفيذ أحكام إعدام في قضايا ذات طابع سياسي. وتفيد شهادات حقوقية بأن نقاط التفتيش الأمنية وعمليات فحص الهواتف والسيارات أصبحت أكثر انتشاراً خلال الأشهر الأخيرة.
وزادت القيود المفروضة على الإنترنت من صعوبة التواصل وتبادل المعلومات، رغم استعادة جزء من الخدمات بعد أشهر من الانقطاع الواسع. ويرى ناشطون أن حالة الغموض بشأن الجهات المسؤولة عن القرارات الأمنية تعمق مشاعر القلق والخوف داخل المجتمع.
تبدو إيران اليوم أكثر استقراراً على السطح مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، غير أن الضغوط الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي والتشدد الأمني تشير إلى أن التحديات الأساسية لم تختفِ، بل تنتظر لحظة عودتها إلى الواجهة مع تراجع تأثير التعبئة المرتبطة بالحرب.
https://www.dw.com/en/iran-at-war-stability-masks-deepening-crises/a-77436037

